تميم الحمادي في داموس برج الرومي: لن نخرج أحياء

Temime H’maidi Tounsi est décédé en 2008 après un long combat avec la maladie. Il a été arrêté, sauvagement torturé et lourdement condamné dans le cadre de la Tentative de coup d’Etat de décembre 1962. Avant sa mort, il s’apprêtait à publier ses mémoires sur le complot de 1962 sous forme d’ouvrage.

Bien avant, il s’était confié à la journaliste Noura Borsali qui a publié son témoignage dans le dossier consacré par l’hebdomadaire Réalités au complot de 1962 et paru en 2006. Noura Borsali a repris ses témoignages et les a également publiés dans son ouvrage : « Bourguiba à l’épreuve de la démocratie (1956-1963) » publié en 2008 chez SAMED Edition : « Bourguiba à l’épreuve de la démocratie (1956-1963) ». Le livre de 235 pages est composé principalement d’articles et d’interviews publiés déjà à l’occasion du cinquantenaire de l’indépendance de la Tunisie (2006).

Dans son témoignage sur le complot de 1962, une scène est restée gravée dans la mémoire de Temime H’maidi Tounsi .

Pendant plus de sept ans, nous avons vécu dans l’obscurité de jour comme de nuit ”, confie Temime H’maidi Tounsi.

Ils ont reçu la visite de quelques personnalités politiques comme Taïeb Mhiri, Béji Caïd Essebsi, Mohamed Farhat, Hédi Baccouche, Tahar Belkhodja, Fouad Mbazaa, le gouverneur de Bizerte…

“ Après la visite de Taïeb Mhiri, le système est devenu plus dur.

Je me souviens encore de la phrase de Béji Caïd Essebsi :

“ Ils tiennent encore ? ”, nous dit encore Temime H’madi Tounsi.

Le 31 mai 1973, ils ont été libérés suite à une grâce présidentielle, après dix ans de détention.

Avant sa mort, Temime H’madi Tounsi a rencontré Bej Caid Essebsi à la fondation Temimi dans le cadre d’une conférence organisée sur la Tunisie. Temime H’madi Tounsi a rappelé à Beji Caid Essebsi s phrase et l’a prié de s’excuser devant les présents. Cependant, Beji Caid Essebsi a refusé de présenter des excuses.

Ci-dessous son texte dans lequel il revient sur le complot de 1962

تميم الحمادي في داموس برج الرومي: لن نخرج أحياء

قبل عدة أشهر لاحظنا عند الخروج للاريه أشياء غير عادية وحركة غير متعودة وغير مفهومة. وإستطعنا أن نختطف من حديث الحراس أن سجن غار الملح سيغلق وأن السجن سينقل إلى « برج الرومي »

هذه المعلومة التي ذكرت، إستغرق تجميعها قرابة الشهر بالنسبة إلينا. وأفرغ السجن من المساجين شيئا فشيئا، ولم نبق الا نحن . وظننا أنه سيخصص لنا وما تجمع خلال هذه السنوات من مساجين سياسيين لا نعرفهم. إلا أن تقليع الأبواب الرئيسية للمدخل أضعف هذا الإحتمال لدينا.

وكان يوم أول أكتوبر ( لا داعي للإستغراب فقد كان الشيخ الكفلي الشواشي هو الذي يمسك بحساب الأيام بالضبط حتى أن السنة الكبيسة عرفناها ونستطيع أن نتأكد من الحساب – وقتها – ) كان بالنسبة الينا يوما مهولا. ففي عشيته فتحت الأبواب ودخل حراس كثر فيهم من نعرف وفيهم من لانعرف وبدئ بتقييدنا بواسطة  » الكلبشة » . أيدينا الى الخلف ووقع إدخال الحلقة الثانية من السلسلة التي في أقدامنا بينهما. بحيث كنا مقيدين من ثلاث والحركة أو المشي بالنسبة لهذا الوضع تكاد تكون مستحيلة بدون السقوط على الأرض

ودحرجنا كالأكياس الى  » السنترة  » أين يقف مدير السجون وعدد آخر ربما من إدارة الأمن بالملابس المدنية وعشرات الحراس بأسلحة وبدون أسلحة. كان مدير السجون يتفحص كل واحد منا بشماتة وتلذذ غير طبيعيين. ثم أشار … وإذا بالحراس كالكلاب المسعورة تنهال علينا ركلا ورفسا وضربا وشتما ..ونحن مرميين بلا حراك على الأرض وليس بإستطاعتنا حتى الحركة لإتقاء الضرب … وربما أشار ثانية فقد كف الضرب فجأة وصمت الحراس. ووقعت دحرجتنا ثانية الى الباب الرئيسي ، وحمل حارسين كل واحد منا .ليلقوا بنا كالأكياس في سيارة المساجين فوق بعضنا حتى إذا إمتلأت واحدة جاؤوا بالأخرى.

وتحاملنا قدر المستطاع لنجلس وسارت الشاحنة. وصلنا والدنيا ظلام، ظلام الليل وظلامنا نحن الذين لانعرف ماهو المصير الذي ينتظرنا. فتح الباب الخلفي للشاحنة بالقرب من هوة. كانت الأرض تعج بالحراس، واحد يهرول واحد يصيح الآخر يأمر. وساد الهدوء قليلا عندما ظهر مدير السجون وثلة المدنيين. وصدر الإذن بإنزالنا أو بالأحرى إسقاطنا على الأرض. وأنزل أولنا ولنقل دحرج والثاني .. وهكذا كنا كالأكياس أو كصناديق البضاعة مرميين بلا حراك إلا الأنين والتوجع

وصدرت من هنا وهناك بعض الإحتجاجات على الأوامر المعطاة :

كيفاش نهبطوهم وهما هكة.؟ – وكيف يطيحولنا.؟ – يطيحوا ونطيحوا معاهم.؟ – خلينا نحلوهم هنا ما ينجموش يهبطوا مربوطين من ثلاثة ؟ – الدروج برشة يطيحوا ويتكسروا…. الى آخره من الملاحظات المنبهة للخطر من إنزالنا مقيدين بهذا الشكل.

وكان رد مدير السجون صارما : » يهبطوا هكة  » كل إثنين أو ثلاثة يهبطوا واحد. وفعلا بدئ بتنفيذ الأمر. وسحبني إثنان الى الفوهة… كانت عميقة وعميقة جدا بدرج حجري يغوص في الأرض بلا نهاية … ولأول مرة أسمع كلمة شفقة من حارس..قال مخاطبا صاحبه بالشوية عليه.. وقال يخاطبني ..سايس روحك..و لا أعرف كيف وصلت إلى قاع الجب. ولا أظن أن أحدا منا يتذكر كيف وصل.

كان الضوء في داخله باهتا وبمجرد وصولي شعرت بالرطوبة وكأني في سحابة غيم ..وجرني آخران إلى موقعي الجديد بينما صعد من أنزلني ليأتي بالباقي. كان أولئك الذين يرتدون الثياب المدنية قد سبقوا إنزالنا وهم يحملون أوراقا وملفات يتفحصونها بالقرب من الضوء الخافت ،بعد أن يسألوا كل واحد عن إسمه ويأمرون الحراس بإيصالنا الى زنزانة بعينها.

الجبل بصخوره الناتئة فوقنا وفي جوانب الممر الطويل الطويل..والزنزانات بأبوابها الحديدية تظهر من حين لآخر في هذا الممر . وأوصلت إلى المكان الذي عين لي، ثم عبد القادر بن يشرط ثم عز الدين الشريف ثم المنصف الماطري ثم محمد قيزة , خمسة.

كانت ضالة الإسمنت لا زالت طرية نوعا ما وقد برزت منها حلقات حديدية وأوقف كل واحد أمام حلقة.وبقينا هكذا زمنا، ربما حتى تم إنزال الجميع. الى أن جاء مدير السجون ليتأكد بنفسه وهو يراجع ملفه وليعين بالضبط الحلقة التي يجب أن نربط فيها وهكذا نقل كل واحد منا . حسب أوامره الى المكان المعين له..

وجيئ بالحداد و هو  » سجين  » صحبة سندانه ومطرقته. وفك الحراس قيود أيدينا وأخذ الحداد حلقة القيد الثانية التي في أقدامنا. وبشمها بمسمار بشيمة في الحلقة.أمام أعين المدنيين الرقيبة..

طوال الإستنطاق، والمحاكمة، والحكم، وخلال سنوات غار الملح.في عنق الجمل. و كل الذي مر بي. لم أشعر باليأس و لم أفقد الأمل في الحياة… كل هذا الأمل أحسست به يطير. وأنا أرى الحداد يجمع القيد الذي ألصق بساقي والحلقة التي في الأرض ويفلسها بين السندان والمطرقة بضربات ترن في الجب العميق الذي وضعنا فيه. إنها النهاية لن نخرج أحياء … وأخذ الحراس يتفقدون صنعة الحداد واحداً واحداً وقد علا الجميع الصمت.وأنهى الحداد مهمته بالنسبة إلينا كلنا، سواء نحن الخمسة أو الباقي في الزنزانة القريبة منا. أو الزنزانات الأخرى..

وغلقت الأبواب، وأطفئت الأنوار تماما. وساد الصمت الفظيع والذي زاد من كثافته الرطوبة الثقيلة التي بدأت تلتصق بملابسنا وتتحول إلى ماء. وزادنا الظلام الدامس كآبة..

وبدأنا الحركة، ونحن نتلمس أبداننا أولا بحثا عن كسر أو رضوض ونسأل بعضنا كل عن حاله. الشيء الأول الذي لاحظناه أن الإحساس شبه منعدم في كفينا. فالقيد الذي أحاط بمعاصمنا أوقف جريان الدم فيهما لساعات نقلنا.فأصبحت شبه ميتة..

ولا يعرف أحد هل أصيب بكسور في أضلاعه أم هي تشعر أم رضوض فقط. وتحسست المكان وجلست منكمشا بقدر الإمكان وقد بدأت أسناني تصطك و لا أقوى على إيقافها. والقشعريرة تهز بدني كله وأنا أرتجف من البرد في ملابسي المبللة.

حفاة..عراة..جياع.. عطاش.. تحت الأرض.. مقيدون بالأرض.. في الظلام الدامس..البرد شديد.. تقطعت بنا الأسباب.  » لا وجه الا وجهك يارب صبر جميل والله المستعان ».

وإشتعلت الأضواء بعد ساعة أو ساعتين .. وسمعنا وقع أقدام وضجة وأبواب تفتح وتغلق، إلى أن وصلوا إلينا. وفتحوا الباب وألقوا لكل واحد منا غطائين، و ذهبوا وأطفئوا الأنوار ثانية.

وسرعان ما تدثرنا بها لتبعث فينا شيئا من الدفئ ولنحاول الراحة أو النوم. كانت الإضاءة السريعة أثناء وجود الحراس كافية لنقدر مساحة المكان الذي نحن الخمسة فيه. فهو لايتجاوز ثلاثة أمتار ونصف في ثلاثة أمتار مبني بالحجر،.

البرد القارس والساعات الطويلة من غار الملح الى بنزرت. كان من اللازم أن يحس الإنسان بحاجة التبول. وليس في الزنزانة أي وعاء لقضاء الحاجة. و معنى التبول أن السائل سينتشر و يمس ثيابنا و غطاءنا و أبداننا. ولم يكن هنالك مجال للحركة فنحن مقيدون في الأرض لا نستطيع الإبتعاد الا مسافة السلسلة. ثم كيف السبيل ونحن في الظلام الدامس.

تقريبا وحسب تقديرنا بقي في وسط الزنزانة مساحة مترين مربعين. وإتفق خمستنا أن أحسن طريقة هي الإحتفاظ بما لدينا ما أمكن و إفراغ أقل ما يمكن.في انتظار معجزة .و كان لازما علينا عندما يبدأ أحدنا أن يصدر الآخرون أصوتا حتى لا يوجه المتبول نحوه و قمت أنا وقدور بالتبول على الباب فقد كنا قريبين منه. ثم محمد قيزه .ثم منصف الماطري .وبقي عز الدين الشريف وكان في الوسط بين الإثنين وأنا وقدور أمامه.وتوجيه البول كان صعبا بالنسبة اليه لقربنا نحن الأربعة منه. وكنت أنا وقدور نتحسس الأرض بيننا لنعرف الى أين وصل الماء ونقدم » تقريرا «.عن الحالة …. كان الظلام كما قلت دامسا وأحسسنا أن بحيرة البول لم تتوسع كثيرا في اتجاهنا.بالرغم من أن عز الدين قضى أمره ولم نفهم الا في الغد. فقد عرف المسكين أنه لن يستطيع بمثانته المملوءة أن يمنع إتساع البركة فهي ستمسني أنا وقدور. فما كان منه الا أن التجأ الى ملئ كفيه كل مرة وتوجيهها وإلقاء ما فيها نحو الباب و هكذا إلى أن قضى حاجته.

آسف لذكر كل هذه التفاصيل وتأكدوا أني غسلت بالدموع الكلمات التي كتبت.. وأني توقفت العديد من المرات لأجفف دموعي…. وفيما يخص هذا الموضوع سأختصر، فبعد أن وجد الحراس أن الحاجة البشرية ستصبح مشكلا لا يمكن تفاديه جلبوا لنا أوعية لقضاء حاجتنا… وكان نصيبنا نحن الخمسة سطلاً من البلاستيك كان يستعمل للدهن يتسع لخمسة أو سبعة لترات ومشقوق من جانبه الى النصف تقريبا . وكان من المستحيل الجلوس عليه – وقضاء الحاجة الكبيرة والصغيرة في آن واحد بل كنا نتبول قبل ثم نقضي حاجتنا الأخرى بعدها ونحن كالكلاب لا وقوف ولا جلوس. وإمتنعنا عن شرب الماء الا عند العطش الشديد حتى يتسع الوعاء لضروراتنا…. وبقينا على هذه الحالة شهور وشهور. و عفوا على هذا الإستطراد والتوسع ولكن لتعرفوا بعضا من آلامنا.

أين نحن؟

نحن في ما يسمى بداموس الرومي في جبل الناظور في بنزرت قبالة البحر. هذا الداموس هو مستودع للذخائر حفرته فرنسا أيام السنين الأولى من عهد الحماية .وهو على شكل حدوة الحصان أو الحرف اللاتيني. U في الجبل على عمق سبعة الى عشرين متر تقريبا تنزل اليه بسبعة وثلاثين درجة من الإرتفاع الكبير .ثم تنحدر تقريبا مائتي متر مربع

إستعملته تونس كسجن لنا . وأقامت في ممراته والجيب الداخلي ستة زنزانات هيأت لنا خصيصا حتى عدد الحلقات الحديدية في الأرض كانت على عددنا بالضبط. و مدير السجون بنفسه إختار أمكنة ربطنا في الأرض .ومرة طلب علي بن سالم أن يبدل موضعه ويأتي آخر مكانة فهو مريض جدا ولا يقدر على جب الماء للآخرين – فقد كان موقعه بجانب حوض الماء -وكان أن أجابه الحارس الأول:- مدير السجون لا يستطيع أن يبدلك من بقعتك فكيف أنا ؟

هذا وقد إستغلت إدارة السجون عنابر الجنود بجانب الجب. لتنشئ سجن الأشغال الشاقة وتعوض أبراج غار الملح.

و قد أهملت صيانة هذا الجب كمستودع للذخيرة بعد أن أنشأت فرنسا والحلف الأطلسي في أواخر الأربعينات بعد الحرب العالمية الثانية مستودعات للذخيرة أخرى أحدث وأعمق.وهكذا كانت صخور جدرانه وسقفة ترشح بإستمرار بالماء وخاصة في الشتاء عند نزول الأمطار.ويبلغ ما يتجمع منها أحيانا ما يقرب من ثلاثة آلاف ليترة يخرجها المساجين يوميا حتى لا نغرق.

ولبثنا في كهفنا سنين. وتعودنا على المشقة لكن البرد وثباتنا في مكان واحد والرطوبة العالية وقلة التغذية والحرمان من ضوء الشمس. كل هذه الأسباب كانت تأكل أجسامنا . فتيبست مفاصلنا. و تقوست ظهورنا نصفين .و لم نعد نستطيع الوقوف بشكل مستقيم علاوة على الشحوب وإصفرار البدن .وبدت أبداننا هزيلة بشكل مخيف. فوجودنا في الجب يتطلب إستهلاكا عاليا من الحريرات .وبالتالي الفيتامينات. ولكن لاشيء من هذا حتى الطبيب غير ممكن لنا مقابلته .كل ماكان هو زيارات متباعدة للحارس الممرض .وأصبحت صيحات الألم تصدر بشكل عادي عند كل حركة منا .ولم نعد نستطع التقلب في فراشنا الا بصعوبة كبيرة.

و اعتدنا على الشقاء و البؤس وأريد أن أشهد هنا. أننا لو بقينا تحت مراقبة رئيس حراس غار الملح وفي تصرف مدير السجون الذي كان وقت إعتقالنا لما خرج واحد منا حيا. .فقد كان مدير سجن الرومي والناظور. والذي يبقى مفتاح الداموس في عهدته كل ليلة ولا يسلم الا لأهل الثقة المكلفين بنا

لكن عين مديرا للسجون – وهو حاكم تحقيق سابق – بدل الأول. وقد كان مؤدبا جدا معنا بعكس من سبقه وكنا نشعر بموعد زيارته .حيث يقع تغيير ملابسنا. وحلق وجوهنا ورؤوسنا. ولما رأى تدهور صحتنا .أذن بخروجنا داخل الداموس للتمشي قليلا وتحريك دمنا. وأقتلعت مسامير التبشيم وأستعيض عنها طريقة أخرى حتى يقع فتحها و اغلاقها أسرع.وجلبوا لنا الماء الساخن في أوعية المطبخ للإغتسال بعد شهور وشهور. وواضح أن مدير السجون لا يستطيع أن يفعل أكثر من هذا..

آخر مرة رأينا فيها الشمس هو أول أكتوبر 65 – يوم نقلنا من غار الملح الى الداموس ثم مضت سنين …إلى أن كان يوم لا أستطيع أن أحدده إنما هو بين الربيع والصيف …فتح الباب ووقع فكنا من الأرض وأخرجنا من الداموس وصعدت الدرج المؤدي الى الهواء الدافئ والشمس على أربع . لم نكن نقوى على الصعود بشكل عادي .

كان يوما مشمساً .والوقت صباحا. وبدأ الضوء يغمرني وعيناي التي حرمت من الضوء لا أقوى على فتحها. إن عبارة  » غمرني الضوء « أفهمها الآن لا كما يفهمها غيري .فبعد تك السنين تحت الأرض لها إحساس آخر لا تعرفونه..

على سطح الأرض كان هناك شخصان بثياب مدنية ومدير السجن وبعض الحراس و الحداد »السجين « بمطرقته وسندانه.

وبإذن من أحد المدنيين كان يجلس كل واحد منا أما الحداد ليكسر قيده. ويقف ليأتي الآخر. ثم في الساحة إكتشفنا أصحابنا الذين لم نرهم منذ الإيقاف..

وأدخلنا غرفة قريبة وأتى المسؤول. تكلم بلطف ومواساة ذاكرا ما قاسيناه.. وبأننا سنعامل كمساجين عاديين. وسنتمكن من مراسلة عائلاتنا .وأن الإدارة ستبعث بطبيب خاص لفحصنا بعناية وعلاجنا .وسنتمتع بالأدوية والكتب …الخ

وأخيرا إنكسر القيد .وأخيرا ضوء الشمس. وأخيرا لقاء الأصحاب .والتعرف على أخبار الأهل والأقارب. وأخيرا النظافة وأخيرا الطعام … وأخيرا ..وأخيرا…ولادة جديدة .. لم تتعود أعيننا على الضوء الساطع.وعلى الرؤية البعيدة .. والألوان .. والنسمات الدافئة ..كالمخبولين نهنئ بعضنا المرات والمرات ثم نتجه نحو النوافذ نتطلع الى البعيد والى الأشجار التي ظهرت وراء الأسوار ..حتى الحراس تبدلت لهجتهم وكثير منهم هنأنا بالنجاة. ..

ومضى يوم ثم آخر ثم آخر . ستة أيام ونحن ننتظر قدوم الأهل. وفي عشية اليوم السادس.. مدير السجن صحبة عدد غفير من الحراس المسلحين والحارس المكلف بنا يأمرنا بالخروج والإتجاه نحو الداموس وسط صفين من الحراس المدججين بالسلاح وأعدنا الى زنزاناتنا القديمة ثانية ولكن دون قيود في أرجلنا.

ماذا حدث ؟ و لماذا أخرجنا ؟ ولما أعدنا ؟ ..لا أحد يعرف ..أين كلام ذلك المسؤول…..لانعرف. وبقي الأمر سراً الى الآن.

منذ أيامنا الأولى في الداموس وحتى آخر لحظة فيه .كنا محل زيارات لعديد من »الشخصيات « ومن الوجوه التي كانت تزورنا كنا نعرف درجة البؤس والشقاء الذي نحن فيه. كانت وجوه القوم مصفرة حتى تبلغ البياض رعباً. والسعال وتغطية الأنف بالمنديل هو من رائحتنا الكريهة. كانت التعليمات دائما أن تتجه وجوهنا إلى الحائط قبل فتح الباب حتى لا نرى القادمين ونتعرف عليهم .ولكن أغلبهم كان يفضل أن يتفحصنا فنستدير ونقابلهم صامتين .ونحن نتساءل في أنفسنا لماذا أتوا ؟أو بالأحرى لماذا أرسلوا الى هذا المكان فنحن نعرف بل على يقين أنه لايسمح لأحد بالدخزل الينا إلا إذا أتى إذن من فوق…فوق..فوق.لماذا كان يرسلهم ..لإرعابهم فلا يتحرك منهم أحد؟ أم ليطمئن علينا وعلى عذابنا ؟ أم هل لا زلنا بعيدين عن نهايتنا ؟ لا نعرف الجواب الى الآن لماذا ؟.

إلى أن كان يوم . وهذا اليوم أتى بعد شهور من سنين. زارنا فيه السيد الطاهر بلخوجة. ولأول مرة يتحدث إلينا مسؤول بشكل معقول ويسأل مدير السجن أمامنا؟ ..

وسأل هل نقابل الطبيب ؟ وهل نخرج للشمس والهواء أحيانا ولماذا نحن حفاة، وبملابس بالية.و وهل لدينا كتب و.و.و. ثم سأل عن مراسلاتنا مع أهلنا. وكان جوابنا بأننا لم نتلق أية رسالة ولم نرسل أية رسالة منذ إعتقالنا .وأننا لا نعرف شيئا عنهم منذ إعتقالنا… وأمامنا أعطى التعليمات لنتمتع بالمراسلة وبالكتب والخروج الى الشمس. ولم نكن شديدي الحماس لمثل هذه التعليمات بعد ما حدث لنا من خيبات..

ولكنه كان صادقا. ففي المساء أحضر سجين قفة كبيرة بها بقايا أحذية وألقى أمام كل واحد زوجا .. وهكذا والغريب أنه بقطع النظر عن المقاس كانت حصة واحد منا إثنين يمين أو إثنين يسار. المهم فردتي حذاء .وحاولنا التبديل مع بعضنا .وبقي البعض يرتدي إثنان يمين أو إثنان يسار. وكان منظرنا باعث للضحك أكثر مما هو باعث للأسى. فلا فردة الحذاء ولا لونها ولا مقاسها متناسبة مع الفردة الأخرى..

وفي اليوم التالي أحضرت لنا أوراق أصغر من أوراق الكراسات وأقلام لنكتب الى أهلنا لآول مرة منذ سنوات. وبالطبع دون أي إشارة من بعيد أو من قريب الى مكان وجودنا أو أين نحن. فقط إعلام بأننا بصحة جيدة وسؤال عن أخبارهم وبدون أي تعليقات منافية لهذه التعليمات. ولأول مرة نمسك قلما منذ سنين . ماذا نكتب ومن أين نبدأ وكيف نسأل عن الأحوال؟ وهل ستكفي هذه الوريقة ؟ المهم أننا كتبنا كل بطريقته.ولبثنا ننتظر الرد. ومرت أيام كأنها دهور. وبدأت الرسائل تصل من العالم الآخر الذي وراء الأسوار عن أخبار العائلات. وبالطبع ليس فيها ما يحير أو يقلق .. نحن بخير ولا ينقصنا ألا رؤيتك ولا ينقصنا الا أن تكون معنا.. الى آخره.. من الجمل العادية جدا .. وكانت الرسالة التي تصل الى كل واحد منا تقرأ بصوت عال علينا كلنا مرات ومرات .ووصلت الى بعضنا صور عائلته وأولاده. وقد كبروا وترعرعوا وازدادوا طولا بعد كل هذه السنين. كانت كل رسالة وكل صورة ملكاً للجميع. باحساس غريب بأننا أسرة واحدة .وهؤلاء أبناءنا وأخواتنا وأقاربنا والأخبار أخبارنا جميعا لا فرق بيننا..

وطبعا لم يتم هذا دفعة واحدة بل قطرة قطرة أو حسب قول مدير السجون خذ وطالب.إلا أن شيئا واحدا كان غير ممكن هو خروجنا من الداموس نهائيا.وكنا عندما نطلب هذا من مدير السجون يحرك يده بإشارة معناها .. أين أنتم من هذا ؟

Lire l’Enquête de Sami Ben Abdallah sur la Tentative de coup d’Etat de décembre 1962

BDTECHIE