الأزمة اليوسفية والمحاولة الانقلابية لسنة 1962

Article publié par le site Almaamoura et qui selon ce site,a été publié   dans la revue des sciences humaines en 2005.L’article mérite d’être lu.

الأزمة اليوسفية والمحاولة الانقلابية لسنة 1962

 

 مجلة علوم انسانية العدد 18، السنة الثانية – فبراير 2005 

اليوسفية : ترمز هذه الكلمة إلى ظاهرة سياسية –اجتماعية تبلور ظهورها قبل أن يلتحق بها « صالح بن يوسف » نفسه، إذ يعود ظهورها إلى سنة 1952 تاريخ بروز المجموعات المسلحة التي ترى في العمل المسلح الأسلوب الأسلم لمقاومة الاستعمار الفرنسي. تجسد هذا الموقف في تجربة « جيش التحرير الشعبي » الذي أسسه « الطاهر لسود » والذي تبلور بصورة أوضح مع توقيع اتفاقيات الاستقلال الداخلي سنة 1955. برزت اليوسفية كحركة تحررية أثناء الفترة الاستعمارية مشكلة رد فعل مسلح على وجود الاستعمار في تونس والمغرب العربي، واليوسفيون هم أنصار الزعيم « صالح بن يوسف » الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد. عرفت اليوسفية تأييد تيارات فكرية وأحزاب سياسية ومنظمات نقابية وعناصر وطنية وأخرى ثورية آمنت بالكفاح المسلح([18]). واستطاعت أن تكسب تأييد الغالبية العظمى من الشعب التونسي، ثبت ذلك من خلال إحصاء الشعب الدستورية المنتمية إلى الحركة اليوسفية التي قدر عددها في حدود 747 شعبة([19]). واليوسفية ليست أيديولوجيا وليست نظرية في كيفية التحرر من الاستعمار، وإنما هي حركة سياسية ذات هوية مغاربية وذات عمق عربي إسلامي، وهي نتيجة لعوامل ذاتية وأخرى موضوعية، تجسدت الأولى في قدرة الأستاذ « صالح بن يوسف » على تجديد شخصيته السياسية بصورة جذرية بعد أن برزت الظروف الموضوعية المساعدة على ذلك مجسدة في بروز مصر كقاعدة خلفية للحركات الاستقلالية في الوطن العربي بعد قيام ثورة الضباط الأحرار سنة 1952، هذا علاوة على انعقاد مؤتمر باندونغ بأندونيسيا الذي حضره « بن يوسف » وهو المؤتمر الذي أرسى مبادئ عدم الانحياز([20]). لقد خاضت اليوسفية معركتين متوازيتين، الأولى ضد الدولة الاستعمارية والثانية ضد الجماعة البورقيبية أو ما يسمى بجماعة الديوان السياسي التي حسم الصراع لصالحها بفضل دعم الإدارة الاستعمارية، وما انفك الصراع أن تحول بين حزب الأمانة العامة و الدولة الناشئة التي أصبح بورقيبة رئيسها بعد وضع حد لنظام البايات وإعلان الجمهورية سنة 1957 والتي تمكنت من تصفية المجموعات اليوسفية المعارضة بفضل الدور الذي قامت به « لجان اليقضة  » البورقيبية وما تبعه من محاكمات صورية وعمليات إعدام وتصفية كان آخرها اغتيال « صالح بن يوسف  » نفسه يوم 11 أوت 1961 بمدينة فرنكفورت الألمانية ([21]).

المحاولة الانقلابية : توصف بأنها محاولة لتغيير نظام الحكم في تونس، اشترك في القيام بها مجموعة من العسكريين والمدنيين([22]).

أسباب المحاولة الانقلابية : تنقسم هذه الأسباب إلى قسمين، داخلية وخارجية :

الأسباب الداخلية : تتعلق باستغلال بورقيبة للشرعية النضالية ليتحول إلى « حاكم مستبد سخر الدولة وأجهزتها لبناء شخصية أسطورية ملهمة مستخفا بالشعب وقدراته وقيمه مشككا في إمكانياته فهو بالنسبة له غبار من البشر »([23]). وهو ما شكل مقدمة للقضاء على مكونات المجتمع المدني جنينية التشكل، وتدجين اتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين والمنظمات الشبابية. كما تم استئصال كل معارضة لعل أبرزها المعارضة اليوسفية وما يعنيه ذلك من تهميش للمقاومين واصفا إياهم بأنهم « … أشخاص بسطاء، فبعد مرحلة الجبال شهدوا كيف أن الجبش الفرنسي ينسحب بين عشية وضحاها وكيف أصبحت الوزارات بين أيدي تونسيين فأصيبوا بنوع من النشوة وصورت لهم عقولهم البسيطة أنهم انتصروا على فرنسا واحتفلوا بذلك، وكان لزاما علينا أن لا نتركهم يفقدون الصواب… « ([24])، وهي الأرضية التي تساعد على بلورة دور الحزب الواحد والزعيم الأوحد كطريقة في الحكم. بالتوازي مع ذلك سن بورقيبة مجموعة من القوانين الاستثنائية ما بين 1957 و1959 قدرت ب375 قانونا، لعل أكثرها إثارة قانون الفصل 13 الذي يسحب حق المواطنة على المواطن التونسي وقانون 59 الذي يسمح بانتزاع الممتلكات ([25])، وأحدث محكمة أمن الدولة التي تصدر أحكاما نافذة غير قابلة للاستئناف لتولي المحاكمات السياسية، وخطة المدعي العام. وسمح بورقيبة لنفسه أن يعبث بالمؤسسة الدينية من خلال غلق الجامعة الزيتونية وحل جمعية الأحباس والاستخفاف بالقيم الإسلامية([26]). لقد دعمت هذه العوامل الأزمة الاقتصادية التي كانت تعيشها البلاد نتيجة فشل التوجه الليبرالي لفترة الخمسينات، والشروع في تطبيق سياسة الاقتصاد المخطط، وتدعيم التفاوت الجهوي بين الساحل والشمال الشرقي وبقية مناطق البلاد في الشمال الغربي والجنوب ([27]).

الأسباب الخارجية : يقصد بذلك أساسا ما يعرف في تاريخ تونس المعاصر بمعركة بنزرت التي يرى فيها منظمو المحاولة الانقلابية عملية فاقدة للمبررات الموضوعية وللحسابات السياسية الدقيقة خاصة وأن الرئيس الفرنسي « ديغول » كان قد وعد بالجلاء عن بنزرت بمجرد الانتهاء من مشكلة الجزائر ([28]). إلا أن بورقيبة اختار الزج بآلاف العسكريين والمتطوعين في معركة غير معدة سلفا وغير متكافئة عسكريا انتهت بسقوط ما بين 5000 و6000 من الشهداء([29]). وبذلك استطاع كسب تعاطف العالم الثالث وبلدان عدم الانحياز وتأييد الزعيم المصري « جمال عبد الناصر » الذي سيزور تونس لاحقا بعد أن كان أكبر خصم ل « بورقيبة » بسبب تأييده واحتضانه ل »صالح بن يوسف ». بالتوازي مع ذلك تمكن « بورقيبة » من التخلص من كثير من معارضيه من الثوار اليوسفيين الذين رفضوا تسليم أسلحتهم ولكنهم كانوا ضحية للخدعة البورقيبية.

يشير أحد المشاركين في المحاولة الانقلابية إلى أن انقسام عملهم إلى قسمين يعكس وجود مرحلتين تولت العناصر المدنية الإعداد لها عبر تمرد مدينة قفصة بقيادة « عبد العزيز العكرمي » و »أحمد الرحموني » و »الزموري » و »الشرايطي »، على أن تدوم فترة التمرد بين يومين وأسبوع حتى تصلهم التعزيزات والدعم من الجزائر التي تولى التنسيق معها « إبراهيم طوبال » و »المسطاردي بن سعيد » كما هو الشأن بالنسبة للتنسيق مع مصر ([32]). وتولت العناصر العسكرية إعداد خطة للقيام بانقلاب عسكري بعد أن تبين استعداد عدد كبير من الضباط للمشاركة في ذلك وقد تولى « عمر البنبلي » عملية التنسيق بين الطرفين العسكري والمدني نظرا لقيامه بنفس الدور في انقلاب عسكري في دمشق. إلا أن المحاولة فشلت بسبب الرغبة التي أبداها العسكريون في الانفراد بالعملية الانقلابية وبالتالي تأجيلها وما صاحب ذلك من وشاية أحد الضباط الصغار([33]).

نتائج المحاولة الانقلابية : إذا أمكن الحديث عن نتائج هذه المحاولة فلابد من الإشارة إلى الفشل التام في تحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في إزاحة « بورقيبة » من هرم السلطة. بل إن نتائجها كانت وخيمة على القائمين بها في مستوى أولى ظروف الاعتقال- التي تصفها إحدى الشهادات بأنها « كانت مرعبة ولا يستطيع أحدا أن يتصور كيف يتواصل بقاء إنسان على قيد الحياة وهو مغلول في سلسلة مشدودة إلى حائط وطولها 80 صم فقط لمدة 7 سنوات كاملة بـ37 درجة في دهليز مظلم، وقد أذاقنا مدير السجن… الأمرين فلم يمكننا من الأحذية رغم قسوة البرد في الدهليز، ثيابنا رثة ممزقة وسخة يرعى فيها القمل ويتغذى من أجسادنا الهزيلة… إلخ »([34])- وفي مستوى الأحكام الصادرة في حق « الانقلابيين » التي تراوحت بين الإعدام والأشغال الشاقة والسجن. فقد « حكمت المحكمة بإعدام « عمر البنبلي » و »كبير المحرزي » و »صالح الحشاني « وعبد الصادق بن سالم » و »المنصف الماطري » و »حمادي قيزة » و »الحبيب بركية »وكلهم من العسكريين و »الحبيب حنيني » و »الهادي القفصي » و »الأزهر الشرايطي » و »عبد العزيز العكرمي » و »أحمد الرحموني » و »المسطاردي بن سعيد » (في حالة فرار) وكلهم من المدنيين، وبالأشغال الشاقة المؤبدة على « محمد الصالح البراطلي » و »الساسي بويحي »، وبعشرين عاما أشغالا شاقة على « العربي العكرمي » و »علي كشك » و »عبد القادر بن يشطر » و »أحمد التيجاني » و »تميم بن كامل التونسي « وعشر سنوات أشغال شاقة على « علي القفصي » و »عز الدين الشريف »، وخمسة أعوام أشغالا شاقة على « علي الكفلي الشواشي »، وعامين سجنا على « محمد العربي المثناني » و »حسن مرزوق »، وعام سجنا على العربي الصامت. وقد نفذت أحكام الإعدام في المحكوم عليهم بتاريخ 24 جانفي 1963، مع استثناء « المنصف الماطري » و »محمد قيزة » الذين أبدل الحكم في شأنهما إلى الأشغال الشاقة المؤبدة

Lire l’Enquête de Sami Ben Abdallah sur la Tentative de coup d’Etat de décembre 1962

BDTECHIE